|
أضيف في 11 يوليوز 2012 الساعة 49 : 16
ياسين گني
تعتبر أضرحة(الأولياء) من المباني التاريخية الحاضرة بقوة في منطقة شمال إفريقيا و حق أن يقال(اختصت بلاد المشرق بالأنبياء و بلاد المغرب بالأولياء) وقد ارتبطت بهذه الأضرحة عادات و تقاليد بل إيديولوجيات و عقائد و أديان, فمنها الشافي دون الله و المداوي دون الطبيب و لكل مجال اختصاه و تخصصه العلمي و الطبي و الاستشفائي, و القوى التي يتحكم بها من دفع شر و جلب خير, و على مر القرون تشكل هذا الوعي الجمعي و تقوى عند العامة من الناس و بعض الخاصة من معتنقي الفكر الصوفي بمختلف مظاهره, وقد شجعت دول متعددة توالت على حكم المنطقة هذه المظاهر ولم يحاربها أو يعالجها إلا قلة قليلة لدواعي عقدية و سياسية مختلفة.
منذ الأزل و العلماء يدعون إلى نبذ الطقوس و الفكر المرتبط بالأضرحة , لكن المسألة أثيرت بشدة منذ ثورة محمد بن عبد الوهاب في نجد و إلى الآن و ما فتئ التدافع بين الصوفية و غيرهم من المذاهب بين من يدافع عن هذه الأضرحة و الطقوس و من يحاربها و يبدعها بل و يكفرها.
مؤخرا أثير موضوع الأضرحة بقوة حيث حذرت الأمم المتحدة من أن أعمال تدمير الأضرحة في تمبكتو ، شمالي مالي يأتي ذلك بعدما واصلت "حركة أنصار الدين" تدمير أضرحة جديدة في مسجد تمبكتو الكبير, و حذر مراقبون معنيون بحقوق الإنسان بالأمم أن القيام بتدمير الأضرحة الدينية في شمال مالي يجرد الشعب من هويته. وقالت فريدة شهيد، مقررة الأمم المتحدة للحقوق الثقافية، إن هذه الأحداث تبدو نذيرا بمستقبل مظلم للغاية للسكان في شمال مالي , وفي مطلع الشهر الجاري قام إسلاميو حركة "أنصار الدين"، بهدم سبعة أضرحة ل"أولياء" من أصل 16 في تمبكتو وحطموا "الباب المقدس" لجامع ما أثار استنكارا في مالي وفي الخارج, يذكر أن الحركة و متمردون أمازيغ قد أعلنوا إنشاء دولة شمالي مالي تبنت العلمانية في بادئ الأمر ثم تحولت إلى اعتماد الشريعة الإسلامية على المنهج السلفي أساسا للدولة الجديدة.
إضافة إلى العالم الغربي أدان المغرب بشدة الأحداث و اعتبر هدم الأضرحة فعلا غير مقبول بالمرة, يذكر أن مسالة الأضرحة أثيرت عالميا خاصة في هدم أضرحة بودا بأفغانستان في عهد طالبان و في دعوة جماعة كويتية الحكومة المصرية المنتظر ان تكون إسلامية لهدم الأهرام و التماثيل الفرعونية, و لو ان لهدم الأضرحة حلفاء أكبر من التيار الإسلامي معتبرين ان الأضرحة لازالت تفعل فعلها الشركي في المجتمع فيما التماثيل البوذية و الفرعونية ليس لها اثر على العقيدة في الحاضر ولم يقم سلف الأمة بهدمها في وقت عزة الإسلام علما و دولة.
حقيقة ان لهذه الأضرحة و العقيدة المرتبطة بها اثر بادي على المجتمعات في شمال إفريقيا و لعل للمغرب نصيب الأسد في ذلك, فالكل يرى بأم عينيه ما يحدث من جهل و استغلال للبسطاء من منظمي المواسم على الأضرحة و ما يجنوه هؤلاء"الشرفاء" المزيفون من أموال و جاه اجتماعي على حساب الفقراء و البسطاء و ما تنشره هذه الأضرحة من تخلف و إيمان بالخرافات و ترك الاستشفاء بالأطباء و هجر العلم و الدين و ما يعلمه القاصي و الداني في هذا المجال, و قد تطور الأمر الى ان أصبح معتنقوا هذا الفكر من المثقفين و الدكاترة و المتعلمين و أصبحوا يدافعون عنه و يشكلون عضدا له, منقسمين بين من يؤمن بهذه الأفكار و من يطمع في جاه أصبح يستجلبه اعتناق هذه الافكار,لكن السؤال الذي يطرح نفسه هل في هدم الأضرحة خلاص من هذا التخلف و الجهل؟؟؟
حقيقة يصعب تصور تغيير فكر بهدم حجر, فهدم عقيدة و عادات و تقاليد متخلفة يحتاج الى وضع مشروع مجتمعي متكامل يغزوا فيه العلم فاتحا عقولا أمضت قرونا تتوارث جهلا و تخلفا مدفوعة من لوبي قوي يستفيد ماديا و معنويا من العائدات المختلفة لهذا الفكر, مستغلا الظروف السياسية و العقدية للمجتمعات في الأقطار الذي انتشر فيها هذا الفكر البائس الذي يتداوى بالتراب و يطلب المدد من الموتى و يتبرك بالحجارة بل بالغائط و النجاسات, إن تغيير مجتمع يحتاج الى علم و تعليم ,و يحتاج الى نقل هذا المجتمع من دركات الجهل الممنهج الى نور العلم الذي يقوده فرقاء مختلفين و قد يكونون متخالفين لكن تجمعهم قضية توعية المجتمع فيتحد عالم الدين و عالم النفس و الاجتماع و الطبيب و المختص النفسي -الاجتماعي و السياسي و غيرهم في رحلة تطهير المجتمع من جهل عشش في أدمغتنا لن تهدمه أحجار هدمت و جثث نقلت, ولعل لنا في رحلة نبي الإسلام محمد صلى الله عليه و سلم سنة حسنة فقد بدأ مشروعه بالفكر و التعليم و تصحيح المنهج المعوج لينتهي بهدم الأوثان, وان الأوثان الحقيقية تعيش في عقولنا و لو هدمتم ألف وثن فان الوثن القائم فينا قادر على بناء أوثان جدد أقوى وأمنع.
ياسين گني (غير فمي و ما گال)
للتواصل و ملاحظات القراء
الصفحة على الفيس بوك
|